الخطيب الشربيني
43
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
إليهم لا يرون سيدا غيره ولا محسنا سواه . ثم بين كثرة صلاتهم بقوله تعالى : سِيماهُمْ أي : علامتهم التي لا تفارقهم فِي وُجُوهِهِمْ ثم بين تعالى العلامة بقوله مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ وهو نور وبياض في وجوههم يوم القيامة كما قال تعالى يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [ آل عمران : 106 ] رواه عطية العوفيّ عن ابن عباس . وعن أنس هو استنارة وجوههم من كثرة صلاتهم . وقال شهر بن حوشب : تكون مواضع السجود من وجوههم كالقمر ليلة البدر . وقال مجاهد هو السمت الحسن والخشوع والتواضع والمعنى أنّ السجود أورثهم الخشوع والسمت الحسن الذي يعرفون به . وقال الضحاك : هو صفرة الوجه . وقال الحسن : إذا رأيتهم حسبتهم مرضى وما هم بمرضى . وقال عكرمة : هو أثر التراب على الجباه . قال أبو العالية : لأنهم يسجدون على التراب لا على الثياب . وقال عطاء : استنارت وجوههم من طول ما صلوا بالليل لأنّ من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار . قال بعضهم : دخل في هذه الآية كل من حافظ على الصلوات الخمس . قال البقاعي : ولا يظن أنّ من السيما ما يصنعه بعض المرائين من أثر هيئة السجود في جبهته فإنّ ذلك من سيما الخوارج . وفي نهاية ابن الأثير في تفسير الثقات ومنه حديث أبي الدرداء أنه رأى رجلا بين عينيه مثل ثغنة البعير فقال : لو لم يكن هذا كان خيرا يعني كان على جبهته أثر السجود وإنما كرهها خوفا من الرياء عليه . وعن أنس عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إني لأبغض الرجل وأكرهه إذا رأيت بين عينيه أثر السجود » « 1 » وعن بعض المتقدّمين : كنا نصلي فلا يرى بين أعيننا شيء ونرى أحدنا الآن يصلي فيرى بين عينيه ركبة البعير فلا ندري أثقلت الرؤوس أم خشنت الأرض . وإنما أراد بذلك من تعمد ذلك للنفاق . ثم أشار تعالى إلى علو مرتبة ذلك الوصف بقوله سبحانه : ذلِكَ أي : هذا الوصف العالي جدا البديع المثال البعيد المنال مَثَلُهُمْ أي : صفتهم فِي التَّوْراةِ وههنا تم الكلام فإن مثلهم : مبتدأ وخبره في التوراة وقوله تعالى : وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ أي : الذي نسخ الله تعالى به بعض أحكام التوراة مبتدأ وخبره كَزَرْعٍ أي : مثل زرع أَخْرَجَ شَطْأَهُ أي : فراخه يقال أشطأ الزرع إذا فرخ وهل يختص ذلك بالحنطة فقط أو بها وبالشعير أو لا يختص خلاف مشهور قال الشاعر « 2 » : أخرج الشطأ على وجه الثرى * ومن الأشجار أفنان الثمر وقرأ ابن كثير وابن ذكوان : بفتح الطاء والباقون بإسكانها . وهما لغتان كالنهر والنهر وأدغم أبو عمرو الجيم في الشين بخلاف عنه ثم سبب عن هذا الإخراج قوله تعالى : فَآزَرَهُ أي : قواه وأعانه . وقرأ ابن ذكوان : بقصر الهمزة بعد الفاء والباقون بالمدّ . فَاسْتَغْلَظَ أي : فطلب المذكور من الزرع والشطء الغلظ وأوجده فتسبب عن ذلك اعتداله فَاسْتَوى أي : قوي واستقام وقوله تعالى : عَلى سُوقِهِ متعلق باستوى ويجوز أن يكون حالا أي كائنا على سوقه أي قائما عليها ، هذا مثل ضربه الله تعالى لأصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم في الإنجيل أنهم يكونون قليلا ثم يزدادون ويكثرون . قال قتادة : مثل أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم في الإنجيل مكتوب أنه سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع
--> ( 1 ) الحديث لم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث التي بين يدي . ( 2 ) البيت لم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي .